ابن هشام الأنصاري
91
شرح قطر الندى وبل الصدى
قبلها علّة لما بعدها ، نحو « أسلم حتّى تدخل الجنّة » وتارة تكون بمعنى إلى ، وذلك إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها ، كقوله تعالى : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى « 1 » ، وكقولك : « لأسيرنّ حتّى تطلع الشّمس » وقد تصلح للمعنيين معا كقوله تعالى : فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ « 2 » يحتمل أن يكون المعنى كي تفيء أو إلى أن تفيء . والنصب في هذه المواضع وما أشبهها بأن مضمرة بعد حتى حتما ، لا بحتى نفسها ، خلافا للكوفيين « 3 » ، لأنها قد عملت في الأسماء الجرّ ، كقوله تعالى : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ « 4 » حَتَّى حِينٍ « 5 » ، فلو عملت في الأفعال النصب لزم أن يكون لنا عامل واحد يعمل تارة في الأسماء وتارة في الأفعال ، وهذا لا نظير له في العربية . [ لرفع الفعل بعد حتى ثلاثة شروط ] وأما رفع الفعل بعدها فله ثلاثة شروط ؛ الأول : كونه مسبّبا عما قبلها ، ولهذا امتنع الرفع في نحو : « سرت حتّى تطلع الشّمس » لأن السير لا يكون سببا لطلوعها ، الثاني : أن يكون زمن الفعل الحال لا الاستقبال ، على العكس من شرط النصب ، إلا أن الحال تارة يكون تحقيقا وتارة يكون تقديرا ؛ فالأول كقولك : « سرت حتّى أدخلها » إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول ، والثاني كالمثال المذكور إذا كان السير والدخول قد مضيا ولكنك أردت حكاية الحال ، وعلى هذا جاء الرفع في قوله تعالى : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ « 6 » ؛ لأن
--> ( 1 ) من الآية 91 من سورة طه . ( 2 ) من الآية 9 من سورة الحجرات . ( 3 ) من الدليل على أن الناصب بعد « حتى » هو « أن » المصدرية مضمرة ، ظهور « أن » مع المعطوف على منصوبها ، وذلك كما جاء في قول الشاعر : ومن يكلّمهم في المحل أنّهم * لا يعلم الجار منهم أنّه جار حتّى يكون عزيزا من نفوسهم * أو أن يبين جميعا وهو مختار الشاهد في قوله : « أو أن يبين جميعا » فقد ظهرت فيه « أن » المصدرية ، فدل ذلك على أن العامل في المعطوف عليه هو « أن » مضمرة ، والكوفيون لا ينكرون وقوع مثل هذا في كلام العرب ، وتخلصوا منه بتجويزهم دخول « أن » في المعطوف مع قولهم : إن الناصب هو حتى نفسها ، وهو كلام لا يقضى العجب منه . ( 4 ) من الآية 5 من سورة القدر . ( 5 ) من الآية 35 من سورة يوسف . ( 6 ) من الآية 214 من سورة البقرة .